عبد الملك الجويني

106

نهاية المطلب في دراية المذهب

هذا معنى الإحصان في المقذوف ؛ فإن القذف جنايةٌ على العرض ، وإنما يكمل العرض عند تجمع هذه الصفات ، وغرضُنا من جميعها الكلامُ على العفة من الزنا ، فنقول أولاً : إذا زنى الشخص ، وثبت زناه بالبيّنة أو بإقراره ، فهذا شخص لا عِرْضَ له ، وكأن أصل العرض العفةُ من الزنا ، وبقية الصفات في حكم التكميل له ؛ فإن القذف نسبةٌ إلى الزنا ، وإنما يتعيّر بالنسبة إلى الزنا عفيفٌ عنه ، فأما الزاني فيخجل ( 1 ) من ذكر الزنا ، فقال العلماء : من قذف زانياً ، لم يستوجب الحد بقذفه . نعم ، يستوجب التعزير بإيذائه . ثم ذكر القاضي أن من زنا مرة واحدة في عنفوان شبابه ، ثم تاب وأناب ، وصار من أعف خلق الله ، وأزهد عباده ، فلا حدَّ على من يقذفه ، وإن تمادى الزمن ، ونيّف على المائة . وكذلك القول فيما إذا زنت مرّةً ثم قُذفت . وهذا دعوى عريضة ، وما أراها تَسْلَمُ عن الخلاف ؛ فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له ، والتوبةُ تمحو الذنبَ ، وتردُّ العدالةَ ، وما يخرِم المروءةَ إذا تُرك ، عادت المروءة ، وانجبر ما كان فيها من خرم ، وإذا كنا فسّقنا الرجل لزناه ، ثم لما تاب واستبرأناه ، قبلنا شهادته وعدَّلناه ، فهذا عَوْد إلى الاعتدال والكمال ، وما العرض إلا نباهةٌ تسمى الجاه ، ولا شك أن من يُخْرَم جاهُه ، فقد يعود إلى ما كان عليه ( 2 ) ، ولم أر هذا التصريح على هذا الوجه في شيء من كتبنا .

--> ( 1 ) كذا . ولعلها : لا يخجل . ( 2 ) جعل إمامُ الحرمين عَوْد الحصانة بالتوبة وصلاح الحال احتمالاً ، ولم يجعلها وجهاً ، وقد رمز الرافعي إلى كلام إمام الحرمين ، ولم يصرّح باسمه ، بعد ما قطع بعدم عودة العفة ، ونص كلامه : " من زنى مرة ، سقطت حصانته ، ولم يوصف بالعفة والصلاح بعده ، فلا يحد قاذفه ، ولكن يعزر للإيذاء ، وهذا ظاهر إن قيدَ القذف بالزنا السابق ، أو أطلق ، فإنه صادق في أنه زنى ، فأما إذا قيد القذف بزنا متأخر ، فقد استَبعَد سقوطَ الحد مستبعدون ، ولم يقيموه مع ذلك وجهاً " ا . ه‍ ( ر . الشرح الكبير : 9 / 352 ) وبمثله قال النووي موجزاً ( الروضة : 8 / 325 ) .